اسماعيل بن محمد القونوي

397

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

حيث جعل ما هو الراجح منهم لاستعدادهم لذلك كغير الراجح ولا حاجة إلى أن يقال إن الأشياء الستة مشتركة في عدم الإيجاب باعتبار بعضها من قبيل إسناد ما للبعض إلى الكل لأن هذا بناء على أن المراد بالإيجاب هو النفي والنهي والاستفهام لا غير لما عرفته من معنى الإيجاب وهذا التوجيه موافق لما اختاره المص من أن جملة لَعَلَّكُمْ [ البقرة : 21 ] استعارة تمثيلية والمعنى خلقكم في صورة من يرجى منه التقوى التي هي المرتبة العليا لترجح أمره باجتماع أسبابه فترجح الوجود معتبر فلا معنى لتوجيه النصب بلعل بمشابهته بليت فإنه يقتضي كون الترجي شائبة من التمني وهو خلاف مرضي المصنف « 1 » وهذا بناء على كون لعل بمعنى الترجي بالتحقيق الذي مر وأما ما قيل من أنه تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا فلا وجه للنصب به . قوله : ( والمعنى أن تتقوا لا تجعلوا له ندا ) أي على جعله جوابا للعل بقرينة ذكره عقيبه وبيان للسببية المستفادة من جعله جوابا للعل أي إن أردتم البقاء على التقوى لا تجعلوا له ندا فإنه يحبط العمل والتقوى أو إن أردتم التقوى لا تجعلوا له ندا فح يتناول جميع المخاطبين من المؤمنين والكافرين بناء على عموم التقوى إلى المرتبة الأولى والعليا والأول بناء على تخصيص الخطاب بالمؤمنين إذ تقرير المصنف في قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] ظاهره مختص بهم وإن كان أول كلامه صريحا في عمومه ثم قوله أَنْ تَتَّقُوا [ آل عمران : 28 ] بيان حاصل المعنى لا أنه مقدر في النظم لأن ذلك التقدير إنما فيما يجزم المضارع في جواب الأشياء الخمسة سوى النفي لكن المنصوب بالفاء يكون مجزوما بعد حذف الفاء ولهذا عطف المجزوم على المنصوب في قوله تعالى : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ المنافقون : 10 ] وإلى هذا أشار بإسقاط الفاء حيث قال أَنْ تَتَّقُوا لا تجعلوا له ندا مع أنه في النظم الكريم بالفاء وجعل الأنداد مفردا فقال ندا للتنبيه على أن وقوله : ولو أريد بالتقوى إلى آخره ليس بصحيح لأن التقوى إذا كانت الاتيان بجميع المأمورات كان عدم الشرك منها لا مما يترتب عليه والحق إن هذا الوجه لا يخلو عن تعسف فإنا بعد ما جهدنا إلى أن بلغ السيل الربى وأبرزنا الكلام إلى صورة أن تكونوا في صورة المرجو منهم أن تتقوا تحتاج إلى أن تجعلهم في صورة المتمني منهم لما رأيت من المكابدة ومع ذلك فالتقضي إنما هو بالاستعارة التبعية على ما تقدم بعد أن تقول أولا لعل بمعنى التمني ثم تذكر ما هو المعلوم في الاستعارة التبعية هذا وجهد المقلة دموعها إلى هنا كلامه رحمه اللّه .

--> ( 1 ) قال قدس سره يجاب بأن النصب ههنا للنظر إلى أنهم في صورة المرجو منهم فالمعنى خلقكم في صورة من يرجى منه انفاء أي الخوف من العقاب ليتسبب عن ذلك أن لا تشركوا انتهى أشار إلى أن المراد بالاتقاء معنى اللغوي أي الاتقاء والحذر من العقاب لدفع اشكال بأن التقوى وهو التبرؤ عما سوى ليس نتيجتها عدم الجعل أندادا بل ذلك حاصل قبل التقوى ولو أريد بالتقوى أول مراتب التقوى فهو عين ترك الشرك وجه الدفع ظاهر لكن التقوى في عرف القرآن التقوى الشرعي خصوصا المرتبة الوسطى مع أن المصنف حملها على المرتبة العليا ودفع الاشكال منفهم من تقرير أصل الحاشية .